في البداية، لم يكن هناك ما يوحي بأن وراء حياة هذا الرجل سرًا استثنائيًا.
رجل تزوج أكثر من مرة، علاقات انتهت، زوجات رحلن من حياته، وأحداث بدت للوهلة الأولى منفصلة تمامًا عن بعضها.
لكن عندما دخل المحققون منزله في إحدى ليالي عام 2008، لم يكونوا يعرفون أن ما وجدوه هناك سيجبرهم لاحقًا على العودة سنوات طويلة إلى الوراء، وفتح ملفات ظن الجميع أنها أغلقت إلى الأبد.
ومع كل خطوة في التحقيق، بدأ سؤال واحد يفرض نفسه:
هل كان ما يحدث في حياة توم مجرد سلسلة غريبة من المصادفات… أم أن هناك شيئًا آخر لم ينتبه إليه أحد طوال سنوات؟
شارون… المرأة التي اعتقدت أنها وجدت الحب من جديد
كانت شارون امرأة من نيويورك، ولدت عام 1950، وعاشت حياة عادية إلى حد كبير.
عملت في مجال التجميل وتصفيف الشعر، وكانت تحب الحياة والعلاقات الاجتماعية. تزوجت في سن مبكرة، لكن زواجها الأول لم يستمر.
لاحقًا دخلت في زواج آخر بدا أكثر استقرارًا، واستمر سنوات طويلة، إلى أن توفي زوجها بعد إصابته بالمرض.
وجدت شارون نفسها وحيدة من جديد.
وفي الوقت الذي بدأت فيه مواقع التعارف عبر الإنترنت تنتشر، قررت أن تمنح الحب فرصة أخرى.
وهناك تعرفت إلى رجل يدعى توم.
كان لطيفًا، مهتمًا، ويمنحها الكثير من وقته. تحدثا طويلًا عبر الهاتف والإنترنت، ثم قرر السفر إليها إلى لاس فيغاس لقضاء عيد ميلادها معها.
بعد ذلك، تطورت العلاقة بسرعة. شعرت شارون أنها عثرت على الرجل الذي كانت تبحث عنه.
وبعد فترة قصيرة، تزوج الاثنان وبدآ حياة مشتركة بدت هادئة من الخارج.
لكن مساء الثامن من مايو عام 2008، تغير كل شيء.
ليلة لم تسر كما كان مخططًا لها
كان الزوجان يخططان لقضاء أمسية عادية.
خرجا لتناول العشاء، وكان من المفترض أن يذهبا بعد ذلك إلى السينما، لكن شارون غيرت رأيها وفضّلت العودة إلى المنزل.
بعد وصولهما بفترة قصيرة، تلقى مركز الطوارئ اتصالًا من توم.
قال إن شخصًا مسلحًا دخل المنزل وهاجمهما.
وعندما وصلت الشرطة، وجدت مشهدًا صادمًا.
كانت شارون قد فارقت الحياة، كما عُثر على رجل آخر داخل المنزل وقد توفي أيضًا.
قال توم إن الرجل كان يرتدي قناعًا، وإنه اضطر إلى استخدام سلاحه دفاعًا عن نفسه.
لكن المفاجأة جاءت عندما قال إنه أزال القناع عن وجه الرجل بعد المواجهة… واكتشف أنه يعرفه.
كان اسمه مايكل.
ولم يكن غريبًا عن العائلة. كان قد قام بأعمال إصلاح في منزل الزوجين، وكانت تربطه بتوم معرفة سابقة.
وهنا بدأت الأسئلة: لماذا يدخل شخص يعرف العائلة إلى المنزل بهذه الطريقة؟ ولماذا يستهدف شارون؟ وكيف انتهى هو الآخر ميتًا؟
تفاصيل صغيرة أثارت الشكوك
اقتادت الشرطة توم للاستجواب.
في البداية، لم يكن هناك دليل مباشر يثبت أنه ارتكب جريمة.
لكن بعض تصرفاته بدأت تثير انتباه المحقق المسؤول عن القضية.
خلال الاستجواب، كانت روايته تتغير في بعض التفاصيل.
مرة قال إنه لم يقترب من شارون بعد سقوطها لأنه يخاف من رؤية الدم، ثم تحدث لاحقًا عن محاولته تقديم الإسعافات لها.
كما بدا متوترًا ومنزعجًا من بعض أسئلة المحقق أثناء إعادة تمثيل الأحداث داخل المنزل.
لكن ما أثار استغراب الشرطة أكثر وقع بعد ذلك.
طُلب من توم ألا يغير شيئًا في المنزل، إلا أنه بعد مغادرة المحققين قام بتنظيف المكان.
وبذلك اختفت أجزاء مهمة من مسرح الحادث قبل أن تتمكن الشرطة من إعادة فحصه بالشكل المطلوب.
ربما كان لكل تصرف تفسير منطقي منفصل. لكن حين اجتمعت التفاصيل كلها، بدأ المحقق يشعر بأن هناك شيئًا غير مريح في القصة.
فقرر أن يبحث في ماضي توم.
وهنا جاءت المعلومة التي غيرت اتجاه التحقيق.
شارون لم تكن زوجته الأولى ولا الثانية… بل كانت الزوجة السادسة.
زوجة سابقة ووفاة أثارت الشبهات
بدأ المحققون يفحصون زيجات توم السابقة واحدة تلو الأخرى.
ومن بين أكثر القصص إثارة للانتباه كانت قصة زوجته السابقة بيكي.
تزوجها توم في ثمانينيات القرن الماضي.
وبحسب روايات المقربين منها، تغيرت حياتها بعد الزواج بصورة كبيرة.
بدأت تبتعد عن عائلتها، وظهرت مشكلات داخل العلاقة، إلى أن قررت في النهاية مغادرته.
وفي عام 1987، عادت بيكي إلى المنزل لأخذ بعض أغراضها.
كانت عائلتها قلقة عليها ونصحتها بعدم الذهاب وحدها. لكنها ذهبت، ولم تعد.
في اليوم التالي، تم العثور عليها وقد فارقت الحياة.
قال توم حينها إن زوجته كانت تعاني مشكلات نفسية وإنها أنهت حياتها بنفسها.
أُغلق الملف في البداية.
كان من الممكن أن تنتهي القصة عند هذا الحد، لولا ظهور رجل يدعى إريك بعد عدة أشهر.
الشاهد الذي قلب القضية
كان إريك صديقًا قديمًا لتوم.
عمل معه لسنوات، وأصبحت علاقتهما قريبة جدًا.
لكن ما قاله للشرطة كان صادمًا.
ادعى إريك أن توم طلب منه، قبل وفاة بيكي، أن يتخلص منها.
والأكثر إثارة للريبة أنه أخبر الشرطة عن وجود وثيقة تأمين على حياة بيكي، وأن توم كان المستفيد منها.
وبعد وفاتها، اكتشف المحققون أن وثيقة التأمين موجودة بالفعل.
وبدأت الصورة تصبح أكثر تعقيدًا.
لكن القضية لم تكن سهلة.
كان لدى توم ما يدعم وجوده بعيدًا عن المنزل خلال جزء مهم من الفترة التي يُعتقد أن الوفاة وقعت فيها، كما لم تكن هناك أدلة جنائية حاسمة تربطه مباشرة بما حدث.
وفي النهاية، لم يتمكن الادعاء من إثبات الاتهامات بالشكل الكافي.
خرج توم من القضية، واستمرت حياته.
لكن سلسلة العلاقات لم تتوقف.
التأمين على الحياة يظهر من جديد
بعد سنوات، تزوج توم امرأة أخرى تدعى غاينا.
في البداية، وصفته بأنه رجل لطيف ومحب.
لكن بعد فترة بدأ يشجعها على الحصول على تأمين على حياتها.
أقنعها بأن ذلك سيكون في مصلحة أطفالها إذا حدث لها مكروه.
وافقت في النهاية على وثيقة تأمين كبيرة.
وبعد نحو شهر، وقع موقف جعلها تشعر بالخطر.
كان توم يتعامل مع سلاح داخل المنزل عندما خرجت منه طلقة مرت بالقرب منها.
اعتبر الأمر حادثًا.
لكن غاينا لم تستطع التخلص من شعورها بأن هناك شيئًا خاطئًا.
غادرت المنزل مع أطفالها وقررت إنهاء العلاقة.
ربما كانت مصادفة أخرى.
لكنها لن تكون آخر مرة يظهر فيها التأمين على الحياة في قصة توم.
فرانسيس… وفاة أخرى وأسئلة جديدة
في مرحلة أخرى من حياته، تعرف توم على امرأة تدعى فرانسيس.
قال لاحقًا إنها كانت واحدة من أكثر النساء تأثيرًا في حياته.
كانت فرانسيس تعاني مشكلة في القلب وخضعت لعملية جراحية.
نجحت العملية، وكانت ابنتها تزورها في المستشفى باستمرار.
وفي أحد الأيام، وصل توم وطلب من الابنة أن تتركه وحده مع والدتها لبعض الوقت.
بعد نحو نصف ساعة فقط، تغير كل شيء.
توفيت فرانسيس داخل المستشفى.
وبعد وفاتها، اكتشفت ابنتها، وفق الرواية الواردة في القضية، وجود تأمين على حياة والدتها كان توم مستفيدًا منه.
مرة أخرى ظهر النمط ذاته.
- علاقة.
- تأمين على الحياة.
- ثم وفاة تترك وراءها أسئلة.
لكن سنوات مرت دون أن تتجمع كل هذه الأحداث في ملف واحد.
إلى أن جاءت وفاة شارون.
المحقق يجمع القطع أخيرًا
بعد حادثة عام 2008، لم يعد المحقق ينظر إلى حياة توم باعتبارها مجموعة من القصص المنفصلة.
بدأ يرى نمطًا.
- زوجات متعددات.
- علاقات معقدة.
- وثائق تأمين على الحياة.
- وفي بعض الحالات، وفيات غامضة.
بدأت الشرطة أيضًا بالبحث في علاقة توم بمايكل، الرجل الذي عُثر عليه داخل المنزل مع شارون.
وظهرت معلومات تشير إلى أن العلاقة بين الرجلين ربما كانت أقرب مما بدا في البداية.
بحسب نظرية المحققين، ربما لم يدخل مايكل المنزل بصفته مهاجمًا عشوائيًا.
بل اعتقد الادعاء أن هناك اتفاقًا سابقًا بينه وبين توم.
كانت النظرية تقول إن مايكل دخل المنزل لتنفيذ جزء من خطة تستهدف شارون، قبل أن تنتهي الأحداث بطريقة جعلت مايكل نفسه يفقد حياته.
لكن إثبات مثل هذه النظرية أمام المحكمة كان أمرًا مختلفًا تمامًا.
فالقضايا الجنائية لا تُحسم بالشكوك.
بل بالأدلة.
سنوات قبل الوصول إلى المحكمة
أُلقي القبض على توم عام 2009.
لكن القضية احتاجت سنوات طويلة قبل أن تصل إلى المحاكمة.
لم تبدأ الإجراءات الكبرى إلا عام 2017.
وخلال المحاكمة حاول الادعاء عرض ماضي الرجل لإظهار ما اعتبره نمطًا متكررًا، في حين أصر الدفاع على أن موكلهم يُحاكم على ما حدث لشارون ومايكل، وليس على حياته السابقة.
أصبح السؤال الأساسي أمام المحكمة:
هل كانت كل القصص السابقة مجرد أحداث منفصلة؟ أم أنها تساعد على فهم ما وقع ليلة وفاة شارون؟
ظهرت شهادات جديدة.
وتحدث أشخاص عن اهتمام توم المتكرر بوثائق التأمين على الحياة.
كما ناقش المحققون تفاصيل القناع الذي كان مايكل يرتديه، وطريقة وقوع الحادث، والعلاقة السابقة بين الرجلين.
قطعة بعد أخرى، حاول الادعاء بناء الصورة الكاملة.
النهاية التي لم تكن بسيطة
مرت القضية بعدة مراحل من المحاكمات والاستئناف، ولم يتمكن الادعاء من تثبيت كل الشبهات التي ظهرت خلال التحقيق.
فبعض الوفيات القديمة حدثت قبل سنوات طويلة، وبعض الأدلة لم تعد متاحة، وهو ما جعل إثبات مسؤولية توم عنها أمرًا بالغ الصعوبة.
لكن قضية شارون ومايكل استمرت في ملاحقته.
وفي النهاية، انتهى المسار القضائي، وفق الوقائع الواردة في القضية، بحكم طويل بالسجن وصل إلى 60 عامًا.
وهكذا انتهت قصة بدأت بمكالمة طوارئ بدت في ظاهرها واضحة:
- زوجان يعودان إلى المنزل.
- رجل مقنع يهاجم الزوجة.
- والزوج يقول إنه دافع عن نفسه.
لكن سؤالًا واحدًا دفع أحد المحققين إلى النظر أبعد من تلك الليلة:
من هو هذا الرجل فعلًا؟
وعندما عاد إلى الوراء، وجد ست زيجات، ونساء خرجن من حياة توم بطرق مختلفة، ووثائق تأمين تظهر مرة بعد أخرى، وملفات قديمة لم يعد من الممكن النظر إليها بالطريقة نفسها.
ربما تكون أكثر الأشياء إثارة للقلق في هذه القضية أن الحقيقة لم تظهر من دليل واحد ضخم.
بل من تفاصيل صغيرة ظلت متناثرة لسنوات… إلى أن قرر شخص ما أخيرًا أن يجمعها معًا.
شاهد القصة كاملة بالفيديو
السرد الكامل للقضية بصوت نسرين على YouTube.
ما رأيكم؟
هل كان من الممكن كشف الحقيقة في وقت أبكر لو ربطت السلطات بين القضايا القديمة منذ البداية؟
شاركونا آراءكم في التعليقات، وإذا أثارت هذه القضية فضولكم، شاركوا المقال مع من يحب قصص الجرائم الحقيقية والتحقيقات الغامضة.

أضف تعليق