في إحدى ضواحي باريس الهادئة، داخل منزل فاخر لا يوحي بأن شيئاً غير طبيعي يمكن أن يحدث خلف جدرانه، بدأت واحدة من أكثر القضايا الفرنسية غموضاً وإثارة للجدل.
ليلة واحدة كانت كافية لتتحول عائلة كاملة إلى ضحايا، ويبقى فتى في السادسة عشرة في قلب لغز لم تغلقه المحاكمة ولا السنوات الطويلة التي مرت بعد ذلك.
القصة تعود إلى ليلة 26 فبراير 1995، في مدينة لوفيسيان غرب باريس.
في الساعات الأولى من الصباح، تلقت الشرطة اتصالاً من مراهق يدعى أليكسي بوليفوي. قال إنه عاد إلى المنزل ليجد أفراد عائلته مقتولين.
عندما وصل رجال الشرطة، وجدوا مشهداً صادماً: ستة أشخاص فارقوا الحياة داخل المنزل، من بينهم والد أليكسي، رجل الأعمال الروسي يوجين بوليفوي، وزوجة والده، ووالداها، بالإضافة إلى صديقين للعائلة. أما أليكسي وشقيقته الصغيرة فكانا على قيد الحياة.
الشكوك تتجه إلى أليكسي
في البداية، بدا أليكسي بالنسبة للمحققين كفتى وجد نفسه فجأة وسط مأساة عائلية لا توصف. لكن شيئاً ما في روايته لم يكن مقنعاً، ومع مرور الساعات بدأت الشكوك تقترب منه شيئاً فشيئاً.
وبعد استجوابات متواصلة، حدث ما لم يكن أحد يتوقعه: أليكسي اعترف. قال إنه هو من أطلق النار على أفراد أسرته.
فتى لم يتجاوز السادسة عشرة أصبح فجأة المتهم الرئيسي في مقتل ستة أشخاص. وبحسب التحقيق، كانت العلاقة بينه وبين والده متوترة منذ فترة، وظهرت شهادات تحدثت عن خلافات مستمرة بينهما بسبب الدراسة وحياة أليكسي الشخصية.
ثم تراجع عن اعترافه
لكن الاعتراف لم يكن نهاية القضية. بل كان بدايتها الحقيقية.
بعد أشهر، تراجع أليكسي عن كل ما قاله وقدم رواية مختلفة تماماً. قال إن رجلاً غريباً يرتدي ملابس سوداء دخل المنزل، وكان يتحدث الروسية.
وادعى أن هذا الرجل كان يبحث عن شيء مرتبط بأعمال والده وأمواله، وأنه هو من نفذ المذبحة. وأضاف أن الرجل أجبره على إطلاق النار أيضاً حتى تصبح الأدلة ضده أقوى ويبدو أمام الشرطة وكأنه المسؤول الوحيد.
من هنا تغير مسار القضية بالكامل. لم يعد السؤال فقط: لماذا قد يقتل مراهق عائلته؟ بل أصبح السؤال الأكبر: هل كان أليكسي بالفعل القاتل الوحيد؟
هل كانت هناك خلفية مرتبطة بعالم الأعمال الروسي؟
والده، يوجين بوليفوي، كان رجل أعمال روسياً يعمل في تجارة الأخشاب خلال فترة شديدة الاضطراب في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لذلك ظهرت فرضية أخرى في الملف: ماذا لو لم تكن الجريمة عائلية من الأساس؟ وماذا لو كانت عملية تصفية؟
هذه الفرضية بدت أكثر إثارة بعد حادثة وقعت لاحقاً. فبعد أقل من عامين، قُتل ديميتري بوليفوي، شقيق والد أليكسي، بالرصاص في بيلاروسيا. وكان ديميتري قد تولى إدارة بعض أعمال شقيقه بعد مقتله.
بالنسبة للدفاع، هذه الحادثة لم تكن مجرد مصادفة. أما بالنسبة للسلطات، فلم يظهر دليل قاطع يثبت أن مقتل ديميتري مرتبط بشكل مباشر بمذبحة لوفيسيان. ومع ذلك، ظل الشك قائماً.
محاكمة وحكم أثارا التساؤلات
في سنة 1998، وصل أليكسي إلى المحكمة. حُوكم أمام محكمة جنايات الأحداث، لأنه كان قاصراً وقت وقوع الجريمة.
النيابة طلبت عقوبة تتراوح بين 18 و20 سنة سجناً، لكن الحكم جاء مفاجئاً: ثماني سنوات فقط.
أدين أليكسي بقتل الأشخاص الستة، لكن العقوبة كانت أقل بكثير مما طالب به الادعاء. وبعد حوالي خمس سنوات ونصف خلف القضبان، حصل على إفراج مشروط سنة 2000.
وهنا بقي الملف عالقاً بين روايتين: رواية تقول إن فتى في السادسة عشرة قتل أفراد أسرته بسبب خلافات داخل المنزل ثم حاول لاحقاً اختراع قصة رجل غامض لإبعاد الشبهة عنه، ورواية أخرى ترى أن هناك تفاصيل كثيرة لم يتم تفسيرها، وأن مقتل عم أليكسي لاحقاً وطبيعة أعمال والده والعلاقات المعقدة المحيطة به تجعل فرضية التصفية المنظمة موضع نقاش.
لقاء بقي عالقاً في ذاكرة صحفي فرنسي
حتى الصحفي الفرنسي ميشيل ماري، الذي غطى عدداً كبيراً من القضايا الجنائية، بقي يتذكر لقائه بأليكسي. وتحدث خصوصاً عن الانطباع الذي تركه المراهق لديه، وعن ذلك «النظر الضائع» الذي ظل عالقاً في ذاكرته لسنوات.
واليوم، بعد أكثر من ثلاثة عقود، ما زالت القضية تعود إلى الواجهة من خلال البرامج الوثائقية وحلقات الـTrue Crime في فرنسا، لأن النهاية القانونية للملف لم تستطع أن تنهي الأسئلة.
هل كان أليكسي فعلاً الفاعل الوحيد؟ أم أن وراء مذبحة لوفيسيان قصة أكبر بكثير مما ظهر أمام المحكمة؟
والسؤال الذي يبقى الأكثر إزعاجاً: إذا كان الرجل الغامض الذي تحدث عنه أليكسي موجوداً فعلاً، فمن كان؟ ولماذا لم يتم العثور عليه أبداً؟
برأيكم، هل كانت جريمة عائلية نفذها مراهق غاضب، أم أن فرضية التصفية المرتبطة بعالم الأعمال الروسي تستحق أن تؤخذ بجدية أكبر؟ شاركوا رأيكم وأرسلوا القصة لمن يحب القضايا الغامضة التي لا تنتهي بإجابة واحدة.

أضف تعليق