قصة بدأت بنزاع عائلي حول حضانة طفلين، ثم تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا الأمنية إثارة في ألمانيا.
في السادس من أكتوبر 2026، ألقت السلطات الألمانية القبض على أوغست هانينغ، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية BND، للاشتباه في تورطه في جرائم مرتبطة بأسرار الدولة والتجسس والعمل لصالح جهة استخباراتية أجنبية.
لكن كيف وصل المحققون أصلاً إلى رجل كان في يوم من الأيام على رأس أحد أهم الأجهزة الاستخباراتية في أوروبا؟ القصة أغرب مما تبدو عليه.
من هو أوغست هانينغ؟
ترأس هانينغ جهاز BND بين عامي 1998 و2005، ثم انتقل لاحقاً إلى وزارة الداخلية الألمانية. وبعد مغادرته المناصب الحكومية دخل عالم الاستشارات والأمن الخاص.
نزاع حضانة يقود إلى ملف أمني
تدور بداية الخيط حول المليونيرة الألمانية كريستينا بلوك، ابنة مؤسس سلسلة مطاعم Block House، التي كانت تخوض نزاعاً قضائياً طويلاً مع زوجها السابق حول حضانة طفليهما.
وفي نوفمبر 2022، يشتبه المحققون في أنه تم التخطيط لعملية لإعادة الطفلين بالقوة إلى ألمانيا. وبحسب التحقيقات، كان الهدف اعتراض الطفلين أثناء توجههما إلى المدرسة في الدنمارك ثم نقلهما إلى ألمانيا، لكن العملية لم تنجح بعدما لاحظ الأب تحركات مريبة وأبلغ الشرطة.
وهنا ظهر اسم شركة أمنية مرتبطة بأوغست هانينغ ومسؤول أمني ألماني سابق. وتشير التحقيقات إلى أن الشركة تلقت تكليفاً يتعلق بإعادة الطفلين مقابل مبلغ مالي كبير، بينما ينفي هانينغ الاتهامات الموجهة إليه في هذا الجانب.
ليلة رأس السنة 2023/2024
في ليلة 31 ديسمبر 2023 إلى الأول من يناير 2024 وقعت عملية أكثر جرأة. وبحسب لائحة الاتهام، أُخذ الطفلان بالقوة من والدهما في الدنمارك ونُقلا إلى ألمانيا بواسطة مجموعة مرتبطة بشركة أمنية إسرائيلية. وبعد أيام قليلة صدر قرار قضائي ألماني يقضي بإعادتهما إلى والدهما.
كريستينا بلوك تنفي أنها أمرت بتنفيذ عملية الخطف، فيما تواصل المحكمة الألمانية بحث المسؤوليات الفردية لكل شخص ورد اسمه في الملف.
المداهمة التي غيرت مسار القضية
في سبتمبر 2025 نفذت الشرطة سلسلة مداهمات مرتبطة بالتحقيق في محاولة إعادة الطفلين، وشملت مواقع في ألمانيا وسويسرا، من بينها مواقع مرتبطة بهانينغ.
كان المحققون يبحثون عن أدلة مرتبطة بقضية الأطفال، لكن ما عثروا عليه فتح ملفاً أكثر خطورة: كمية كبيرة من المواد والوثائق المرتبطة بجهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية.
نحو 2000 وثيقة
وفق التحقيقات، يشتبه في أن هانينغ حصل منذ عام 2010 وحتى عام 2022 على ما يقارب 2000 وثيقة من داخل جهاز BND. وتشير الشبهات إلى أن موظفاً سابقاً داخل الجهاز كان يزوده بهذه المعلومات، وربما مقابل المال.
وتحدثت تقارير ألمانية عن مواد مرتبطة بتقييمات أمنية واستخباراتية حساسة، بينها ملفات تخص البرنامج النووي الإيراني، والقوات المسلحة الروسية، ومعلومات مصدرها أجهزة استخبارات أجنبية شريكة لألمانيا.
هل تم بيع أسرار الدولة؟
انتشرت منشورات تزعم أن آلاف الوثائق سُلّمت مباشرة إلى دولة معادية، لكن هذه الصيغة غير مثبتة حتى الآن. المؤكد من التحقيقات هو الاشتباه في استخدام بعض المعلومات الاستخباراتية ضمن نشاط استشاري خاص، وفي إعداد تحليل لصالح شخص مرتبط بجهاز أمني أو استخباراتي أجنبي.
كما تداولت وسائل إعلام ألمانية احتمال وجود صلة بجهاز استخبارات أذربيجاني، لكن هذه المعلومة لم يعلنها الادعاء الألماني رسمياً كحقيقة نهائية.
تهم خطيرة وتحقيق لم ينته بعد
تتعامل السلطات الألمانية مع الملف باعتباره قضية أمن دولة. ومن بين الشبهات المعلنة: الحصول على أسرار دولة بقصد استخدامها بطريقة قد تضر بألمانيا، محاولة الخيانة، والقيام بنشاط استخباراتي لصالح جهة أجنبية.
كما ألقي القبض على موظف سابق في BND يشتبه في أنه كان مصدراً للوثائق داخل الجهاز.
المفارقة التي فجرت الفضيحة
اللافت أن القضية لم تبدأ بعملية مكافحة تجسس دولية. بدأت بنزاع حضانة، ثم تحقيق في محاولة اختطاف، ثم شركة أمنية، ثم رئيس سابق للمخابرات، وأخيراً ملفات سرية يُشتبه بأنها خرجت من داخل BND على مدى سنوات.
ولا تزال أسئلة كبرى بلا إجابة: كيف حصل رئيس سابق للجهاز على هذه الكمية من المعلومات بعد مغادرته منصبه؟ ومن استفاد منها فعلياً؟ وهل نحن أمام تصرفات فردية أم أن التحقيق سيكشف شبكة أوسع؟
حتى تاريخ 7 أكتوبر 2026، يبقى أوغست هانينغ مشتبهاً به ولم تصدر بحقه إدانة نهائية.

أضف تعليق