تخيّل أن تبحث الشرطة لسنوات عن شخص مجهول ارتبط اسمه بسلسلة من الجرائم على امتداد ساحل نيويورك، ثم تصبح بقايا وجبة بيتزا تخلّص منها في سلة مهملات أحد أهم الأدلة التي تقود إلى كشف هويته. هذه ليست حبكة مسلسل، بل فصل حقيقي من قضية شاطئ غيلغو التي امتدت عقودًا قبل أن تنتهي باعتراف وحكم بالسجن المؤبد عام 2026.
البداية: البحث عن امرأة مفقودة يكشف لغزًا أكبر
في ديسمبر 2010، كانت الشرطة تبحث عن شانون جيلبرت، وهي شابة اختفت قرب منطقة أوك بيتش في لونغ آيلاند بولاية نيويورك. وفي 11 ديسمبر، عثر شرطي وكلب مدرّب على رفات بشرية بمحاذاة طريق أوشن باركواي، لكنها لم تكن تعود إلى شانون.
وفي 13 ديسمبر، اكتُشفت رفات ثلاث نساء أخريات قرب الموقع الأول. لاحقًا عُرفت الضحايا الأربع باسم «نساء غيلغو الأربع»: ميليسا بارثيليمي، وميغان ووترمان، وأمبر كوستيلو، ومورين برينارد بارنز. وخلال عام 2011، كشفت عمليات البحث عن رفات أخرى على امتداد الطريق الساحلي، فازدادت الأسئلة حول ما إذا كان هناك شخص واحد يقف وراء بعض هذه الجرائم.
كان العثور على الرفات بداية لغز طويل، لا نهايته. بعض الضحايا اختفين قبل عام 2010 بسنوات، وبعض الرفات اكتُشف في مناطق متفرقة من لونغ آيلاند. أما اختفاء شانون جيلبرت فقد كان سببًا في بدء البحث، لكن السلطات لم تثبت أن وفاتها كانت من جرائم الرجل الذي أُدين لاحقًا.
سنوات من الصمت… حتى أعيد فتح الملفات
مرت الأعوام فيما ظلت عائلات الضحايا تنتظر إجابات. وفي يناير 2022، تشكّل فريق خاص لإعادة مراجعة الأدلة والشهادات وسجلات الاتصالات والبيانات الجنائية المرتبطة بالقضية. لم يكن المطلوب البحث عن دليل جديد فقط؛ بل أيضًا إعادة قراءة تفاصيل ربما بدت صغيرة في التحقيق القديم.
من بين تلك التفاصيل، شهادة مرتبطة بسيارة «شيفروليه أفالانش» شوهدت عند منزل إحدى الضحايا قبل اختفائها. قادت مراجعة هذا الخيط إلى رجل يعيش في ماسابيكوا بارك ويعمل مهندسًا معماريًا في مانهاتن. وكانت سجلات الهواتف وتحركات الأجهزة من الأدلة الأخرى التي ساعدت فريق التحقيق على تضييق نطاق الاشتباه.
كيف أصبحت بقايا بيتزا دليلًا حاسمًا؟
في يناير 2023، راقب المحققون ذلك الرجل قرب مكتبه في مانهاتن، ولاحظوا أنه تخلّص من بقايا بيتزا في سلة مهملات. استعادوا البقايا للحصول على عينة حمض نووي يمكن مقارنتها بالأدلة القديمة.
وأظهرت المقارنة توافق الحمض النووي المستخلص من بقايا البيتزا مع دليل وراثي مرتبط بشعرة ذكورية عُثر عليها على الخيش الذي لُفّت فيه رفات الضحية ميغان ووترمان. كان الأمر اختراقًا مهمًا، لكنه لم يكن الدليل الوحيد: فقد جمعت الشرطة أيضًا بين شهادات الشهود وسجلات الاتصالات وتحليل الأدلة البيولوجية.
هنا بدأ لغز بدا لسنوات بلا ملامح يتحول إلى ملف اتهام ضد شخص محدد.
الاسم الذي ظهر بعد 13 عامًا
في 13 يوليو 2023، ألقت السلطات القبض على المهندس المعماري ريكس هيرمان (Rex Heuermann)، الذي كان يعيش مع أسرته في لونغ آيلاند ويعمل في مدينة نيويورك. وُجهت إليه بدايةً اتهامات بقتل ثلاث نساء، ثم أُضيفت إليه تهم أخرى مع استمرار التحقيقات.
خلال السنوات التالية، ربط الادعاء هيرمان بجرائم تعود إلى تواريخ أقدم بكثير مما تصوّره الجمهور في البداية، منها وفاة ساندرا كوستيلا عام 1993، وجرائم ارتبطت بالضحيتين جيسيكا تايلور وفاليري ماك. واستندت السلطات إلى مجموعة من الأدلة، من بينها الحمض النووي ومعلومات من أجهزة إلكترونية وملفات تعود إلى سنوات طويلة.
أبريل 2026: الاعتراف الذي انتظرته العائلات
في 8 أبريل 2026، أقر ريكس هيرمان أمام المحكمة بالذنب في سبع جرائم قتل، واعترف كذلك بقتل امرأة ثامنة هي كارين فيرغاتا، رغم أنها لم تكن موضوع تهمة مستقلة في الاتفاق القضائي.
والضحايا الثماني اللواتي اعترف بقتلهن هن: ساندرا كوستيلا، كارين فيرغاتا، فاليري ماك، جيسيكا تايلور، مورين برينارد بارنز، ميليسا بارثيليمي، ميغان ووترمان، وأمبر كوستيلو. خلف كل اسم عائلة ظلت تنتظر الحقيقة سنوات، وبعضها انتظر لعقود.
17 يونيو 2026: الحكم الذي أنهى الملف القضائي
أصدرت محكمة مقاطعة سوفولك في 17 يونيو 2026 حكمًا بالسجن المؤبد ثلاث مرات متتالية من دون إمكانية الإفراج المشروط عن جرائم قتل ميليسا بارثيليمي وميغان ووترمان وأمبر كوستيلو، إضافة إلى عقوبات متتالية مجموعها 100 سنة إلى المؤبد عن جرائم قتل مورين برينارد بارنز وجيسيكا تايلور وساندرا كوستيلا وفاليري ماك.
أما مقتل كارين فيرغاتا، الذي أقر به خلال جلسة الاعتراف، فكان مشمولًا باتفاق الإقرار بالذنب، من دون اتهام مستقل. وبذلك حُسمت المسؤولية الجنائية عن الجرائم الثماني التي اعترف بها، لكن ذلك لا يعني أن كل حالة وفاة اكتُشفت قرب شاطئ غيلغو قد نُسبت إليه.
سلة مهملات… ونهاية لغز طويل
بدأت القضية باكتشاف رفات على طريق ساحلي، واستمرت وسط شهادات وقرائن وأسئلة كثيرة. ولم تكن بقايا البيتزا معجزة منفردة؛ بل قطعة واحدة من تحقيق أعيد بناؤه بصبر وباستخدام علم الوراثة وسجلات الاتصالات وأدلة قديمة.
بعد نحو 13 عامًا من اكتشاف الضحايا الأربع قرب غيلغو، وصل المحققون إلى المتهم، وبعد ما يقارب ثلاث سنوات أخرى جاء الاعتراف والحكم. وتبقى هذه القصة تذكيرًا بأن دليلًا يبدو عاديًا قد يكتسب معنى مختلفًا تمامًا عندما يوضع إلى جانب بقية الأدلة.
برأيك، ما أكثر تفصيل أثار دهشتك في هذه القضية: السنوات التي استغرقها كشف الحقيقة، أم الدور الذي لعبته عينة الحمض النووي المأخوذة من بقايا البيتزا؟
مصادر التوثيق
- المدعي العام لمقاطعة سوفولك: بيان الحكم في 17 يونيو 2026
- المدعي العام لمقاطعة سوفولك: بيان الاعتراف في 8 أبريل 2026
- ABC News: التسلسل الزمني للقضية وأدلة التحقيق
ملاحظة: المينياتور تصميم بصري توضيحي للقضية، وليست جميع عناصر خلفيته صورًا أصلية من موقع التحقيق.

اترك تعليقًا